• لم يكُن لقاء 'عباس' مع المتسابقين الثلاثة في برنامج 'عرب أيدول' هو الذي أثار موجة من الشجب في أوساط الفلسطينيين، بل كان عدم زيارته لأيٍ من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحيطة ببيروت أو المنتشرة في أنحاء أخرى في لبنان.

  • يعرف 'عباس' حق المعرفة أنَّه إذا وطأ بقدميه أيَّ مخيم للاجئين في لبنان، قد تكون تلك الخطوة آخر خطواته على وجه الأرض.

  • إنَّ سكان تلك المخيمات غاضبون أيضًا من قادتهم الذين أبقوهم حبيسي جدران تلك المخيمات لعدة عقود، وملؤوا عقولهم بتصريحات كاذبة حول عودتهم المأمولة إلى مواطن آبائهم في عكا وحيفا ويافا والرملة. وهذا هو السبب الحقيقي الذي يدفع 'عباس' وغيره من القادة العرب إلى البقاء بعيدًا قدر الإمكان عن تلك الحظائر البشرية البائسة.

ماذا يمكن أن يُقال في حق زعيم يدعم الفن ويشجعه، ولا سيما موسيقى الشباب وغناؤهم ورقصهم؟ إنَّ زعيمًا يفعل ذلك، ولا سيما إن كان زعيمًا من العالم العربي، جدير حقًا بالإشادة على جهوده في هذا الصدد.

ولكن: لا يستحق الإشادة زعيم يصرِّح بأنَّ دعم المطربين والموسيقيين له الأسبقية على حل المشاكل الأساسية التي يعاني منها مئات الآلاف من أبناء شعبه.

فلنأخذ على سبيل المثال حالة 'محمود عباس'، رئيس السلطة الفلسطينية، الذي زار بيروت مؤخرًا من أجل عقد محادثات مع القادة اللبنانيين بشأن طائفة واسعة من القضايا ذات الصلة بالعلاقات الثنائية، وأوضاع أكثر من 500 ألف فلسطيني يعيشون في ظل ظروف صعبة للغاية في العديد من مخيمات اللاجئين المنتشرة في جميع أنحاء لبنان. ومنذ وقت طويل، صار العديد من هذه المخيمات يُعتبر بمثابة "مناطق محظورة" لا يمكن لقوات الأمن اللبنانية دخولها؛ وهو ما أسفر عن تحوُّلها إلى أوكار للفوضى والجريمة، ومرتعًا لمختلف العصابات المسلحة المتناحرة التي يبلغ النزاع بينها أحيانا حد القتل.

وأثناء زيارة الرئيس 'عباس' إلى لبنان التي استغرقت ثلاثة أيام، عقد سلسلة من الاجتماعات مع الرئيس اللبناني العماد 'ميشال عون'، وعشرات من مسؤولي الحكومة والسياسيين اللبنانيين. كما اجتمع ببعض ممثلي الجالية الفلسطينية في لبنان. إلا أنَّ 'عباس' تفادى الاقتراب من أي مخيم للاجئين، حيث يعيش أبناء الشعب الفلسطيني حياة بائسة، محرومين من حقوقهم الأساسية، ولا سيما الحق في العمل.

لقاء رئيس السلطة الفلسطينية 'محمود عباس' (إلى اليسار) في بيروت مع الرئيس اللبناني 'ميشال عون' (إلى اليمين) في 23 شباط/فبراير 2017. (مصدر الصورة: (لقطة فيديو من قناة 'آر تي').

وكان من الملفت للنظر بالنسبة للعديد من الفلسطينيين أنَّ 'عباس' كان لديه من الوقت ما يكفي للقاء الشبان الثلاثة المشاركين في برنامج 'عرب أيدول'، وهو برنامج يتمتع بشعبية كبيرة في العالم العربي، وهو النسخة العربية من البرنامج البريطاني 'بوب أيدول' (Pop Idol). والمتسابقون الثلاثة هم 'يعقوب شاهين'، وهو مواطن فلسطيني من بيت لحم، و'أمير دندن'، وهو مواطن إسرائيلي عربي من الجليل، و'عمار محمد العزكي' من اليمن. (فاز 'شاهين' وهو مواطن فلسطيني مسيحي بالمسابقة).

ولم يكُن لقاء 'عباس' مع المتسابقين الثلاثة في برنامج 'عرب أيدول' هو الذي أثار موجة من الشجب في أوساط الفلسطينيين، بل كان عدم زيارته لأيٍ من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحيطة ببيروت أو المنتشرة في أنحاء أخرى في لبنان. ويعتقد العديد من الفلسطينيين أنَّ 'عباس' اختار هذا التوقيت لزيارة لبنان كي يتمكَّن من لقاء المتسابقين الثلاثة في برنامج 'عرب أيدول'، وأن يحضر الإعلان عن اسم الفائز. وأشاروا إلى أنَّ 'عباس' من أكبر المعجبين بالبرنامج، وأنَّه كان يتابعه عن كثب في الأعوام القليلة الماضية. وكثيرا ما يسافر ابنه 'ياسر' والعديد من كبار الشخصيات الفلسطينية إلى بيروت لحضور مسابقات البرنامج. وفي آخر زيارة له إلى بيروت، كان لدى 'عباس' من الوقت ما يكفي للقاء المطربة الإماراتية الشهيرة 'أحلام'، وهي أيضًا أحد أعضاء لجنة التحكيم التي تحدد الفائز في تلك المسابقة، وتبادل النكات معها.

ومن المؤكَّد أنَّ حماس 'عباس' للمغنيين ولبرنامج 'عرب أيدول' أمر يبعث الدفء في القلوب. غير أنَّ ذلك الحماس هو ما جعل العديد من الفلسطينيين يتساءلون عمَّا إذا كان في قلب 'عباس' ذرة من التعاطف مع مئات الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في لبنان رازحين تحت نير الفصل العنصري والقوانين التمييزية والقيود الشديدة التي تفرضها الحكومة اللبنانية على المخيمات إلى درجة جعلتها أشبه بالغيتوهات. ومن الطبيعي أن يكون الوقت المتاح لرجل مثل 'عباس' في مثل هذه الزيارات الدبلوماسية محدودًا نوعا ما؛ الأمر الذي دفع بأولئك الفلسطينيين إلى التساؤل عمَّا إذا كان لقاؤه مع المغنية 'أحلام' هام بما يكفي لشغل حيز من ذلك الوقت المحدود، في حين أنَّ لقاء أبناء شعبه المعذبين لم يكُن كذلك؟

وعلَّق 'سفيان أبو زايدة'، أحد كبار مسؤولي حركة 'فتح' في قطاع غزة، على تلك الزيارة بقوله:

"ليس هناك مشكلة من وجهة نظري في اهتمام الرئيس 'عباس' بالفن والفنانين، بما في ذلك متابعة تفاصيل التفاصيل لما يجري في البرنامج الشهير 'عرب أيدول'، أو أي برنامج فني آخر. وليس هناك مشكلة أن يخصص فخامة الرئيس وقت للقاء المطربة القديرة 'أحلام'. المشكلة هي أن الرئيس 'عباس' ليس رئيس على الشعب السويدي أو الشعب النرويجي لديه كل هذا الوقت لتكريسه لبرنامج غنائي. هل من المعقول أن يزور فخامته لبنان للقاء المسؤولين اللبنانيين ولا يزور أبناء شعبه في المخيمات [...] التي لا يبعد جزء منها سوى مئات الأمتار عن استوديوهات 'عرب أيدول'؟"

ويرددُّ العديد من الفلسطينيين منذ ذلك الحين رأي 'أبو زايدة'، حيث يرون في تجاهل 'عباس' المتعمَّد للاجئين الفلسطينيين في لبنان استمرارًا للسياسة التي تتَّبعها القيادة الفلسطينية منذ أمد بعيد بإعطاء ظهرها لمعاناة شعبها، وتفضيلها التعامل مع المسائل "التافهة". وفي الوقت الذي كان الرئيس 'عباس' يزور فيه لبنان، اندلعت مواجهات مسلحة بين أنصاره وأنصار منافسه الرئيسي 'محمد دحلان' في مخيم عين الحلوة للاجئين في لبنان. وقُتل شخص واحد على الأقل وجُرح ثلاثة آخرين في تلك المواجهات.

وحقيقة الأمر أنَّ 'عباس' لم يكُن لديه من الوقت ما يكفي للتعامل مع الوضع الأمني المتدهور في مخيم 'عين الحلوة'، لأنَّه كان في الحقيقة مشغولا للغاية بالتفكير في من سيفوز في برنامج 'عرب أيدول' (يزعم الفلسطينيون أنَّ المتسابق المفضَّل لدى 'عباس' كان الفلسطيني 'يعقوب شاهين'، ابن بيت لحم).

وكتب العديد من الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي قائلين "القيادة الفلسطينية كلها في لبنان ليس لتفقد ومحاولة تحسين وضع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية في لبنان. بل لحضور الحلقات الأخيرة لبرنامج عرب أيدول".

وأطلق العديد من الفلسطينيين الهاشتاغ #AbbasFollowUsToo على تويتر، في إشارة إلى هوس 'عباس' ببرنامج 'عرب أيدول'. وتهدف الحملة إلى الإعراب عن خيبة أمل الفلسطينيين إزاء إهمال زعمائهم لهم، وازدرائهم لأبناء شعبهم.

فطالما تجاهل القادة الفلسطينيون المحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في لبنان وغيره من الدول العربية. وفي لبنان على وجه الخصوص، لا شك في أنَّ الفلسطينيين يعيشون في ظل ظروف معيشية غير إنسانية. فوفقًا لتقارير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، فإنَّ الفلسطينيين في لبنان

"لا يتمتعون "بحقوق مدنية أو اجتماعية. وعلاوة على ذلك، فهم لا يتمتعون أيضا بالحق في العمل في ما يزيد على 20 وظيفة... ويعيش نحو 53% من الفلسطينيين في لبنان في 12 مخيما للاجئين تعاني من مشاكل خطيرة، بما في ذلك الفقر والاكتظاظ السكاني والبطالة وظروف السكن السيئة والافتقار إلى البنية التحتية".

ولكن لا يمكن أن ننسى أنَّ 'عباس' رجل لا ينقصه الدهاء. فهو يعرف حق المعرفة أنَّه إذا وطأ بقدميه أيَّ مخيم للاجئين في لبنان، قد تكون تلك الخطوة آخر خطواته على وجه الأرض. ولذلك، يختار 'عباس' بذكاء أن يبقى بعيدًا عن مخيمات اللاجئين التي تُراق فيها دماء أبناء شعبه كل يوم، والتي أصبحت وكرًا للمليشيات والعصابات المسلحة التابعة لتيارات سياسية فلسطينية مختلفة، بما في ذلك حركة 'فتح' التي يتزعمها.

غير أنَّ عباس لا يخشى دخول مخيمات اللاجئين في لبنان فحسب، فالمخيمات المماثلة في الضفة الغربية وقطاع غزة تفيض بالمرارة. إذ أنَّ سكان تلك المخيمات غاضبون أيضًا من قادتهم الذين أبقوهم حبيسي جدران تلك المخيمات لعدة عقود، وملؤوا عقولهم بتصريحات كاذبة حول عودتهم المأمولة إلى مواطن آبائهم في عكا وحيفا ويافا والرملة. وهذا هو السبب الحقيقي الذي يدفع 'عباس' وغيره من القادة العرب إلى البقاء بعيدًا قدر الإمكان عن تلك الحظائر البشرية البائسة. وذلك أيضًا سبب عدم اهتمام القادة الفلسطينيين بأنَّ لبنان أو غيره من البلدان العربية يعاملون اللاجئين الفلسطينيين على أنَّهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة (لا يستطيع الفلسطينيون على أي حال الحصول على جنسية أي بلد عربي باستثناء الأردن، إذ تحرمهم بقية البلدان العربية الأخرى من الحصول على الجنسية). وهذا أيضا السبب في أنَّ 'عباس' يفضل قضاء وقته مع المطربين العرب والمتسابقين في برنامج 'عرب أيدول' بدلًا من مواجهة من يخونهم كل يوم - أبناء شعبه الذين يعانون نير الفصل العنصري والتمييز الحقيقي في لبنان.

'خالد أبو طعمة' صحفي حائز على العديد من الجوائز، يكتب من أورشليم القدس.

فئة المقالة:  لبنان, السلطة الفلسطينية
آخر المقالات بقلم:
طالعوا أحدث أخبارنا عبر البريد الإلكتروني: للاشتراكفي قائمةبريد معهد جيتستون المجانية

ar