• الكثير من الفلسطينيين يعتبرون في بعض الأحيان أنَّ القادة والأنظمة العربية هم "الأعداء الحقيقيون". بل يفضِّلون أن تشرف بلدان مثل فرنسا والسويد والنرويج وبلجيكا على عملية السلام مع إسرائيل، بدلًا من أي بلد عربي.

  • يكرر 'هاني المصري'، وهو محلل سياسي فلسطيني بارز، هذه الشكوك. وفي الواقع، يعتقد 'المصري' أنَّ العرب يريدون مساعدة إسرائيل في "تصفية" القضية الفلسطينية.

  • الأردنيون قلقون من أنَّ أي "حل إقليمي" سيعزز فكرة الاستعاضة عن المملكة الهاشمية بإقامة دولة فلسطينية. حيث ندد وزير المعلومات الأردني السابق 'صالح القلاب' بالحديث عن "مؤتمر إقليمي" على أنَّه "هدية مسمومة ومؤامرة" ضد الأردن والفلسطينيين.

  • طالما حلم اللبنانيون عبر عقود من الزمن بذلك اليوم الذي يمكنهم فيه التخلُّص من المخيمات الفلسطينية وسكانها الرازحين تحت نير الفصل العنصري والقوانين التمييزية.

  • إنَّ إسرائيل، كدولة يهودية، هي اللعنة التي تواجه التطلعات الفلسطينية. بل إنَّ أي زعيم عربي أو فلسطيني يدعم مثل هذا الحل التوفيقي يعرِّض حياته للخطر، ويسجِّل اسمه في صفحات التاريخ الفلسطيني على أنَّه "خائن" باع القضية لليهود، واستسلم للضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

  • يجافي النوم عيون 'عباس' وأتباعه في رام الله من قلقهم إزاء الاتصالات الحالية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. وفي وجهة نظر السلطة الفلسطينية، فإنَّ هذا "التطبيع" أمر يجب عدم البدء فيه سوى بعد أن تخضع إسرائيل لإملاءاتها.

  • أي "حل إقليمي" يشمل البلدان العربية سيكون مآله الفشل، لأنَّ الفلسطينيين وإخوانهم العرب يكرهون بعضهم البعض. إذ لن يروا أي حل تقدمه الحكومات العربية سوى "إملاءات أميركية - صهيونية".

  • ما يريده الفلسطينيون حقًا هو استخدام الأوروبيين لفرض "حل" على إسرائيل.

ثمة اعتقاد خاطئ جوهري: أنَّ بإمكان الدول العربية أن تساعد في تحقيق السلام في الشرق الأوسط عن طريق إقناع الفلسطينيين، أو الضغط عليهم إذا لزم الأمر، بتقديم تنازلات إلى إسرائيل.

وهذا الاعتقاد الخاطئ مضلِّل ولا أساس له من الصحة في نفس الوقت.

وفي الآونة الأخيرة، بدأ المسؤولون في إسرائيل وواشنطن يتحدثون عن اتِّباع "نهج إقليمي" لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. وفي رأي هؤلاء المسؤولين، فإنَّ الأمر ينطوي على مشاركة أكبر عدد ممكن من البلدان العربية على نحو مباشر في الجهود الرامية إلى التوصُّل إلى اتفاق سلام دائم وشامل بين إسرائيل والفلسطينيين. ويعتقد دعاة "النهج الإقليمي" أنَّ لدى بلدان عربية مثل الأردن ومصر ولبنان وقطر والمملكة العربية السعودية ما يكفي من النفوذ لدى الفلسطينيين لإرغامهم على قبول اتفاق سلام مع إسرائيل.

غير أنَّ الفلسطينيين سرعان ما رفضوا هذه الفكرة باعتبارها "مؤامرة أمريكية - إسرائيلية - عربية" ضد قضيتهم تهدف إلى إجبارهم على تقديم تنازلات غير مقبولة. وعلى رأس هذه "التنازلات غير المقبولة" يأتي الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وتنازل الملايين من اللاجئين الفلسطينيين عن "حق العودة" إلى إسرائيل.

وما تغفل عنه هذه الفكرة الأمريكية -الإسرائيلية الجديدة هو أنَّ الفلسطينيين، ببساطة، لا يثقون في إخوانهم العرب. إذ يعتبر الفلسطينيون أنَّ معظم القادة والأنظمة الحاكمة العربية ما هي إلا "دُمى" تحركها أصابع الولايات المتحدة وحلفائها "الصهاينة". والأسوأ من ذلك أنَّ الكثير من الفلسطينيين يعتبرون في بعض الأحيان أنَّ القادة والأنظمة العربية هم "الأعداء الحقيقيون" للفلسطينيين. بل يفضِّلون أن تشرف بلدان مثل فرنسا والسويد والنرويج وبلجيكا على عملية السلام مع إسرائيل، بدلًا من أي بلد عربي.

يفضِّل القادة الفلسطينيون أن تشرف بلدان مثل فرنسا والسويد والنرويج وبلجيكا، بدلًا من أي بلد عربي. إذ أنَّ الفلسطينيين، ببساطة، لا يثقون في إخوانهم العرب في الصورة: الرئيس الفرنسي 'فرانسوا هولاند' يعانق رئيس السلطة الفلسطينية 'محمود عباس' خلال مؤتمر صحافي في رام الله، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2013. (مصدر الصورة: 'اورن زيف' Oren Ziv/Getty Images)

وبوجه عام، يثق الفلسطينيون في البلدان الغربية أكثر من ثقتهم في أشقائهم العرب. ولهذا السبب، لا تزال السلطة الفلسطينية بزعامة 'محمود عباس' تصر على عقد المؤتمرات الدولية كأسلوب مفضَّل لإحلال السلام في المنطقة، بدلًا من "النهج الإقليمي" الذي يُعطي البلدان العربية دورًا رئيسيًا في حل الصراع. ففي الواقع، آخر شيء يرغب فيه 'عباس' أو الفلسطينيون هو أن تتدخَّل البلدان العربية في عملية السلام.

ويكرر 'هاني المصري', وهو محلل سياسي فلسطيني بارز، هذه الشكوك بشأن الدور المحتمل الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية في عملية السلام في الشرق الأوسط. وفي الواقع، يعتقد 'المصري' أنَّ العرب يريدون مساعدة إسرائيل في "تصفية" القضية الفلسطينية.

كما توقَّع أيضًا أنَّ التقارب الأخير بين إسرائيل وبعض الدول العربية سيزيد من جرأة "فصائل المعارضة والجماعات الجهادية" التي تناضل ضد أنظمة الحكم العربية. وكما يرى 'المصري'، فإنَّه ليس من الواضح أن أيَّا من الدول العربية، ولا سيما جيران إسرائيل، يريدون "الحل الإقليمي". فعلى سبيل المثال، فإنَّ الأردنيين قلقون من أنَّ أي "حل إقليمي" سيعزز فكرة الاستعاضة عن المملكة الهاشمية بدولة فلسطينية.

وجسَّد وزير المعلومات الأردني السابق 'صالح القلاب' هذا الخوف عندما ندَّد بالحديث عن "مؤتمر إقليمي" على أنَّه "هدية مسمومة ومؤامرة" ضد الأردن والفلسطينيين.

ومن جانبهم، يشعر المصريون بالقلق من أنَّ "النهج الإقليمي" يعني التخلي عن أجزاء من سيناء للفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة - وهي فكرة مرفوضة تمامًا على المستوى الشعبي في مصر. ولدى المصريين سبب وجيه للقلق: فهناك قادة وبلدان عربية أعربت عن اهتمامها بهذه الفكرة.

وبالمثل، ينتاب اللبنانيون القلق من أنَّ "الحل الإقليمي" سيجبر بلدهم على منح الجنسية وحقوق المواطنة والمساواة الكاملة لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في ذلك البلد. فطالما حلم اللبنانيون عبر عقود من الزمن بذلك اليوم الذي يمكنهم فيه التخلُّص من المخيمات الفلسطينية وسكانها الرازحين تحت نير الفصل العنصري والقوانين التمييزية.

أمَّا الجارة الأخيرة، سوريا، فإنَّ انشغالها بحالة الانهيار الداخلي لديها يمنعها من التفكير ولو للحظة في عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. وبعيدًا عن ذلك، متى كانت آخر مرَّة أعرب فيها السوريون عن قلقهم على إخوتهم الفلسطينيين؟ فمنذ بداية الحرب الأهلية السورية منذ نحو خمسة أعوام، لقي أكثر من 3,400 فلسطيني مصرعهم، وأُصيب آلاف آخرون. وعلاوة على ذلك، اضطر أكثر من 150 ألف فلسطيني إلى الفرار من سوريا إلى الدول العربية المجاورة، أو إلى أوروبا. فالنظام السوري لا يهتم بأرواح شعبه الذي يتعرَّض للذبح بأعداد هائلة كل يوم. فلماذا نتوقَّع أن يهتم بالفلسطينيين؟ ومن الكوابيس التي تخيِّم على سوريا أن تُضطر إلى توطين الفلسطينيين ومنحهم الجنسية والحقوق الكاملة. فمثل معظم الدول العربية، لا تريد سوريا سوى أن يختفي الفلسطينيون المقيمون على أراضيها.

ومن ثمَّ، يمكننا القول إنَّ مسألة "الحل الإقليمي" تبث مشاعر الخوف والحذر في الأردن ومصر ولبنان وسوريا. ولا عجب في ذلك: فهو يشكل تهديدًا ضخمًا لأمنها الوطني. وبناء على ذلك، ما هي البلدان العربية المستعدة لوضع حد للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؟ المملكة العربية السعودية؟ قطر؟ الكويت؟ عُمان؟ تونس؟ المغرب؟ حقًا؟

إنَّ إسرائيل، كدولة يهودية، هي اللعنة التي تواجه التطلعات الفلسطينية. وليس بإمكان أيِّ زعيم عربي في العالم بأسره أن يقنع الفلسطينيين بالتخلي عن "حق العودة" الذي يحلم به اللاجئون الفلسطينيون، أو أن يقبل بحل يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالسيطرة على أجزاء معينة من الضفة الغربية والقدس الشرقية. بل إنَّ أي زعيم عربي أو فلسطيني يدعم مثل هذا الحل التوفيقي يعرِّض حياته للخطر، ويسجِّل اسمه في صفحات التاريخ الفلسطيني على أنَّه "خائن" باع القضية لليهود، واستسلم للضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

وعلاوة على ذلك، فإنَّ 'عباس' والسلطة الفلسطينية أبعد ما يكونان عن الرغبة في تحقيق أي تقارب عربي-إسرائيلي. بل يجافي النوم عيون 'عباس' وأتباعه في رام الله من قلقهم إزاء الاتصالات الحالية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. فهذه الاتصالات، بوضوح وبساطة، هي ما يعنيه لفظ "التطبيع". وفي وجهة نظر السلطة الفلسطينية، فإنَّ هذا "التطبيع" أمر يجب عدم البدء فيه سوى بعد أن تخضع إسرائيل لإملاءاتها.

وأعرب 'رياض المالكي'، وزير خارجية حكومة 'محمود عباس' هذا الأسبوع بوضوح عن رفض الفلسطينيين لفكرة "الحل الإقليمي" التي تعطي العرب دورًا في عملية السلام. وقال إنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي 'بنيامين نتانياهو' مخطئ في اعتقاده أنَّ التقارب بين إسرائيل وبعض البلدان العربية سيثمر عن أي شيء جيد. وندَّد 'المالكي' "بالنهج الإقليمي" الذي يتبعه 'نتانياهو' باعتباره "سياسة ملتوية"، قائلًاَّ: "إنَّ 'نتانياهو' يعتقد أنَّ هذا الأمر سيلزم الفلسطينيين لاحقا الدخول في مفاوضات سلام مع الجانب الإسرائيلي". ووفقًا لتصريحات 'المالكي'، فإنَّ الفلسطينيين يرغبون في أن يكون الأوروبيون، لا العرب، هم من يجلس بجانبهم على طاولة "المفاوضات" مع إسرائيل.

فوزير الخارجية الفلسطيني ذاته يصرِّح بأنَّ الفلسطينيين يفضِّلون أن يكون الأوروبيون، لا العرب، هم من يقفون إلى جانبهم عندما يتعلق الأمر بمحاولة لتضييق الخناق إسرائيل. ويرى الفلسطينيون أنَّ هذا هو الرهان الأفضل.

وعلى أي حال، فإنَّ أي "حل إقليمي" يشمل البلدان العربية سيكون مآله الفشل، لأنَّ الفلسطينيين وإخوانهم العرب يكرهون بعضهم البعض. وعلاوة على ذلك، وحتى لو قبل 'عباس' بأي شروط يُمليها عليه مثل هذا التحالف، فسوف يرفضها شعبه. إذ لن يروا أي حل تقدمه الحكومات العربية سوى "إملاءات أميركية - صهيونية".

وما يريده الفلسطينيون حقًا هو استخدام الأوروبيين لفرض "حل" على إسرائيل. وهذا هو سبب تمسُّك 'عباس' بفكرة عقد مؤتمر دولي تمسُّك الكلب الجائع بعظمة تُنجيه من الموت.

'خالد أبو طعمة' صحفي حائز على العديد من الجوائز، يكتب من أورشليم القدس.

آخر المقالات بقلم:
طالعوا أحدث أخبارنا عبر البريد الإلكتروني: للاشتراكفي قائمةبريد معهد جيتستون المجانية

ar