• شهدت تركيا في العام الماضي أكبر انخفاض في مستوى الحريات من بين 195 بلدًا، وفقًا لمنظمة 'فريدم هاوس'.

  • يزيد حجم حملة التطهير الأكاديمي التي يقودها 'إردوغان' عن حجم الحملة المماثلة التي قادها الانقلاب العسكري في 1980 بنحو 38 مرة.

  • وفقًا للبيانات التي جمعتها منظمات 'تطهير تركيا' و'رابطة القلم الدولية' و'لجنة حماية الصحفيين' و'مركز ستوكهولم للحريات'، فقد خسر 128,398 شخصًا عملهم، في حين يقبع 91,658 شخصًا رهن الاعتقال.

  • الأسوأ من ذلك، لم يُسمح للأكاديميين المدرجة أسماؤهم في قائمة التطهير، أو لطلابهم، بالاحتجاج السلمي ضد تلك الإجراءات. إذ تعرَّضت محاولتهم للتظاهر السلمي في 10 شباط/فبراير في كلية العلوم السياسية في أنقرة إلى هجوم من جانب قوة كبيرة من رجال الشرطة، ووُئدت في مهدها.

  • يتمتع المواطن التركي بجميع الحريات التي يريدها - ما دام واحدًا من الإسلاميين المؤيدين لنظام 'إردوغان'.

بعد ثلاثة قرون تقريبًا، ومع تعديل طفيف، تحقَّقت مرة أخرى مقولة المؤرخ 'شيلبي فوت' (Shelby Foote) الشهيرة: "إنَّ الجامعة في تركيا هذه الأيام ما هي إلا مجموعة من المباني تحيط بمكتبة صغيرة ومسجد وفصول دراسية تخلو من الأكاديميين غير المرغوب فيهم".

فقد تفاجأ الكثيرون من حجم "حملة التطهير التركية الكبرى" التي أطلقتها حكومة الرئيس التركي 'رجب طيب إردوغان' الإسلامية المستبدة في أعقاب محاولة انقلاب عسكري ضدها في تموز/يوليو. بيد أنَّ هذا الشعور بالمفاجأة ليس في محله. فقد قدَّمت محاولة الانقلاب الفاشلة لحكومة 'إردوغان' فرصة ذهبية للمضي قُدمًا في حملته ضد جميع أشكال المعارضة. ولا عجب في أنَّ 'إردوغان' نفسه قال في ليلة وقوع المحاولة: "إنَّ [محاولة الانقلاب] هذه هبة من الله".

وذكرت منظمة 'فريدم هاوس' التي تتَّخذ من واشنطن العاصمة مقرًا لها، في تقريرها السنوي عن الحرية في العالم الصادر في 31 كانون الثاني/يناير الماضي بعنوان "الشعبويون والمستبدون: الخطر المزدوج على الديمقراطية في العالم"، أنَّ تركيا شهدت أكبر انخفاض في مستوى الحريات من بين 195 بلدًا خلال العام الماضي. فقد انخفضت النتيجة الإجمالية التي حقَّقتها تركيا في التقرير 15 نقطة لتصل إلى 38 من 100 (حيث 100 تعني أقصى مستوى من الحرية)، بعد أن كانت تحتل المرتبة 53 في تقرير عام 2016. وكما يذكر التقرير، نجحت تركيا في المحافظة على تقييمها العام باعتبارها "بلدًا حرًّا جزئيًا" فيما يتعلق ببند "الحريات"، إلى جانب 59 بلدًا آخر. ويقول التقرير: "دفعت محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ وشنِّ حملات اعتقال جماعي وفصل من العمل ضد موظفين في الخدمة المدنية وأكاديميين وصحفيين وشخصيات بارزة في المعارضة، وغيرهم ممَّن اعتبرتهم من مناوئيها".

وقال وزير التعليم 'عصمت يلمظ' (Ismat Yilmaz) إنَّ إجمالي عدد من فُصلوا من العمل في وزارته بلغ 33,065 شخصًا، أغلبهم من المعلمين والمربِّين والموظفين الإداريين. ومن بين من فُصلوا من العمل، احتجزت الحكومة 3,855 شخصًا بتهم تتعلق بالإرهاب.

ومن الناحية النوعية، لا يختلف الأمر كثيرًا في الجامعات التركية. فمعظم رؤساء الجامعات عيَّنهم 'إردوغان'، ومن ثم فهم من حلفائه السياسيين المقرَّبين، وعلى أهبة الاستعداد لعزل الأكاديميين الذين يعتبرونهم من "خصوم 'إردوغان' السياسيين".

وفي أعقاب انقلاب عسكري في أيلول/سبتمبر 1980 (ثالث مرة يستولي فيها العسكريون على مقاليد الحكم في تاريخ تركيا الحديث)، أصدر الجنرالات المرسوم رقم 1402 بفصل ما مجموعه 120 أكاديميًّا من الجامعات. وعلى سبيل المقارنة فحسب، أصدرت الحكومة "المدنية" في تركيا في 7 شباط/فبراير مرسومًا بفصل 330 أكاديميًّا من الجامعات. وبلغ عدد ضحايا حملة التطهير التي يقودها 'إردوغان' في المؤسسات العامة نحو 100 ألف موظف، بما في ذلك نحو 5 آلاف أكاديمي. وبعبارة أخرى، يزيد حجم حملة التطهير الأكاديمي التي يقودها 'إردوغان' عن حجم الحملة المماثلة التي قادها الجنرالات في 1980 بنحو 38 مرة. ووفقًا للبيانات التي جمعتها منظمات 'تطهير تركيا' (Turkey Purge)، و'رابطة القلم الدولية' (PEN International)، و'لجنة حماية الصحفيين' (Committee to Protect Journalists) و'مركز ستوكهولم للحريات' (Stockholm Center for Freedom)، فقد خسر 128,398 شخصًا عملهم، في حين يقبع 91,658 شخصًا رهن الاعتقال.

والأسوأ من ذلك، لم يُسمح للأكاديميين المدرجة أسماؤهم في قائمة التطهير، أو لطلابهم، بالاحتجاج السلمي ضد تلك الإجراءات. إذ تعرَّضت محاولتهم للتظاهر السلمي في 10 شباط/فبراير في كلية العلوم السياسية في أنقرة إلى هجوم من جانب قوة كبيرة من رجال الشرطة، ووُئدت في مهدها. وأثناء الاشتباكات، استخدمت الشرطة القوة لتفريق المحتجين، وأُصيب الكثير منهم بجروح، وتعرَّضوا للمعاملة الخشنة والسحل على الأرض من جانب رجال الشرطة.

وغرَّد أحد الأساتذة المعزولين، البروفيسور 'يوكسل تسكين' (Yuksel Taskin)، الذي كان يعمل أستاذًا في أحد أقسام الصحافة في اسطنبول، عبر 'تويتر': "إنَّ ما يحدث "تطهير" سياسي محض. إلا أنَّ ضميري مستريح. وليعرف طلابي أنَّني لن أخضع أبدًا!".

غرَّد البروفيسور 'يوكسل تسكين'، الذي فُصل مؤخَّرًا من عمله كأستاذ في أحد أقسام الصحافة في اسطنبول، عبر 'تويتر': "إنَّ ما يحدث "تطهير" سياسي محض. إلا أنَّ ضميري مستريح. وليعرف طلابي أنَّني لن أخضع أبدًا!".[مصدر الصورة: لقطة فيديو من 'هاكان يوجل' (Hakan YÜCEL)].

وكتب 'إمري تانسو كيتن' (Emre Tansu Keten)، وهو أستاذ في نفس الكلية: "ببساطة، أنا فخور بأن أكون في هذه القائمة، جنبًا إلى جنب مع زملائي الأقدم ممَّن فُصلوا من عملهم بسبب آراء أعربوا عنها".

وعلَّق الصحفي التركي 'يافوز بايدر' (Yavuz Baydar) قائلًا:

"إنَّ المسألة آخذة في الاتساع مع كل مرسوم جديد، لقد أصبحنا كبلد نشبه ألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين، عندما انتهى بها الحال وهي تطارد نخبتها خارج حدود البلاد. ولكن ما أعرفه على وجه اليقين أنَّ الأكاديميين الذين "تطهَّرت" منهم المؤسسات لن يجدوا فرص عمل تمكِّنهم من العيش الكريم الذي يليق بهم".

ولم يكُن 'بايدر' هو الشخص الوحيد الذي ينتابه شعور بأنَّ تركيا أصبحت تشبه ألمانيا في ظل حكم النازي. حيث قال 'مليح كيرليدوغ' (Melih Kirlidog)، وهو أكاديمي تركي متخصص في مسائل الرقابة على الإنترنت ومراقبتها: "في رأيي، يشبه هذا المناخ مثيله في ألمانيا في عام 1933".

وبالمثل، يعتقد الروائي التركي البارز 'زولفو ليفانيلي' (Zulfu Livaneli)، والذي تعرَّض للاعتقال عدَّة مرات خلال انقلاب عام 1971 في تركيا، أنَّ لهذه المقارنة ما يبررها: "بعض [الأكاديميين] يقاومون، وبعضهم يتعاون مع النظام من أجل مواصلة عملهم، بينما يغضُّ البعض الآخر الطرف في صمت".

وكان 'إردوغان' قد وعد بعد وصوله إلى السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 2002 بأن يجعل تركيا أرضًا للحريات، أرضًا لا تخضع لوصاية من الجيش. ومنذ ذلك الحين، نجح 'إردوغان' في ترويض المؤسسة العسكرية، والتي كانت في يوم من الأيام، علمانية الهوى. ومع ذلك، لم تتحقَّق رؤيته الإسلامية "لأرض الحريات" سوى جزئيًا: إذ يتمتع المواطن التركي بجميع الحريات التي يريدها - ما دام واحدًا من الإسلاميين المؤيدين لنظام 'إردوغان'.

'بوراك بكديل' واحد من كبار الصحفيين في تركيا، وقد فُصل للتو من عمله في إحدى كبريات الصحف التركية بعد 29 عامًا عقابًا له على مقالاته لمعهد 'جيتستون' بشأن الأحداث في تركيا. وهو زميل في منتدى الشرق الأوسط (Middle East Forum).

فئة المقالة:  ديك رومي
آخر المقالات بقلم:
طالعوا أحدث أخبارنا عبر البريد الإلكتروني: للاشتراكفي قائمةبريد معهد جيتستون المجانية

ar